عبد القاهر الجرجاني
306
دلائل الإعجاز في علم المعاني
وقال لبيد : [ من المنسرح ] أخشى على أربد الحتوف ، ولا * أرهب نوء السّماك والأسد " 1 " قال : وأخذه البحتريّ فأحسن وطغى اقتدارا على العبارة ، واتّساعا في المعنى ، فقال : [ من الكامل ] لو أنّني أوفي التّجارب حقّها * فيما أرت ، لرجوت ما أخشاه وشبيه بهذا الفصل فصل آخر من هذا الكتاب " 2 " أيضا ، أنشد لإبراهيم بن المهديّ : [ من السريع ] يا من لقلب صيغ من صخرة * في جسد من لؤلؤ رطب جرحت خدّيه بلحظي ، فما * برحت حتّى اقتصّ من قلبي " 3 " ثم قال : قال عليّ بن هارون : أخذه أحمد بن أبي فنن معنى ولفظا فقال : أدميت باللّحظات وجنته * فاقتصّ ناظره من القلب " 4 " قال : ولكنه بنقاء عبارته وحسن مأخذه ، قد صار أولى به . ففي هذا دليل لمن عقل أنهم لا يعنون بحسن العبارة مجرّد اللفظ ، ولكن صورة وصفة وخصوصية تحدث في المعنى ، وشيئا طريق معرفته على الجملة العقل دون السمع ، فإنّه على كل حال لم يقل في البحتري أنه " أحسن فطغى اقتدارا على العبارة " ، من أجل حروف .
--> ( 1 ) البيت للبيد بن ربيعة في ديوانه ( ص 39 ) ، وفي الكامل ( 3 / 229 ) ، وفي الأغاني ( 17 / 59 ، 60 ، 67 ) ، وهو من مجموعة أبيات قالها يرثي أخاه أربد الذي قتل بسحابة ارتفعت فرمته بصاعقة فأحرقته نتيجة دعوة النبي صلى اللّه عليه وسلّم ، ومما قاله لبيد في رثاء أخيه قوله : ما إن تعرى المنون من أحد * لا والد مشفق ولا ولد فجعني الرعد والصواعق بال * فارس يوم الكريهة النّجد يا عين هلّا بكيت أربد إذ * قمنا وقام الخصوم في كبد ( تعرى المنون ) للبناء للمفعول تترك وتهمل ويقال لكل شيء أهملته وضليت سبيله قد عريته . والنّجد : البطل ذو النجدة أو المنجد . والكبد : الشدّة والمشقة هكذا فسر أبو عبيدة قوله تعالى : لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ، ومعنى البيت الذي معنا : أن الشاعر يخشى المنون على أربد ولم يظن أن تصيبه صاعقة ذت وتكون السبب الأول من أسباب موته . ( 2 ) المراد به كتاب " الشعر والشعراء " " للمرزباني " ، وتقدم التعريف به . ( 3 ) لإبراهيم بن المهدي أخو هارون الرشيد ( المتوفى سنة 224 ه ) الشذرات ( 2 / 53 ) . ( 4 ) لأحمد بن أبي فنن من شعراء الدولة العباسية . البيتان : تقدم تخريجهما .